الحلبي
234
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
رجل ، فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا نوى تمر أكلوا في منزل نزلوه ، أي فإن منهم امرأة كانت ترعى غنما فرأت النوى فقالت : هذا تمر يثرب ، فصاحت في قومها : أتيتم ، فتبعوهم إلى أن وجدوهم في المحل المذكور ، فلما أحسوا بهم لجؤوا إلى موضع من جبل هناك : أي صعدوا إليه ، فأحاطوا بهم ، وقالوا لهم : انزلوا ولكم العهد أن لا نقتل منكم أحدا ، فقال عاصم رضي اللّه تعالى عنه : أما أنا فلا أنزل على ذمة : أي أمان وعهد كافر ، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ، أي وستة منهم ، وصار عاصم يرميهم بالنبل وينشد أبياتا منها : الموت حق والحياة باطل * وكل ما قضى الإله نازل بالمرء والمرء إليه آئل ولا زال يرميهم حتى فنيت نبله ، ثم طاعنهم حتى انكسرت رمحه ، ثم سل سيفه . وقال : اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخره ، ونزل إليهم ثلاثة على العهد وهم : خبيب ، وزيد ، وعبد اللّه بن طارق رضي اللّه تعالى عنهم ، فلما أمسكوهم أطلقوا أوتارا قسيهم فربطوا خبيثا وزيدا وامتنع عبد اللّه ، وقال : هذا أول الغدر : أي ترك الوفاء بعهد اللّه ، واللّه لا أصحبكم ، إن لي بهؤلاء يعني القتلى أسوة فعالجوه ، فأبي أن يصحبهم أي فقتلوه كما في الصحيح ، وقيل صحبهم إلى أن كانوا بمر الظهران يريدون مكة ، انتزع عبد اللّه يده منهم ، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم ، فرموه بالحجارة حتى قتلوه ، وانطلقوا بخبيب وزيد ، أي ودخلوا بهما مكة في شهر القعدة ، فباعوهما بأسيرين من هذيل كانا بمكة ، أي وقيل بيع كل بخمسين من الإبل ، أي وقيل بيع خبيب بأمة سوداء ، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيبا ، قيل لأنه قتل الحارث يوم بدر كما في البخاري . وتعقب بأن المعروف عندهم أن قاتل الحارث يوم بدر إنما هو خبيب بن إساف الخزرجي ، أي وقيل القاتل له علي كرّم اللّه وجهه ، وخبيب بن عدي هذا أوسي لم يشهد بدرا عند أحد من أرباب المغازي ، أي وقيل في هذا تضعيف الحديث الصحيح . ثم رأيت الحافظ ابن حجر رحمه اللّه ذكر أنه لزم من هذا رد الحديث الصحيح ، ولو لم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر ما كان لاعتناء آل الحارث بشرائه وقتله به معنى ، إلا أن يقال لكونه من قبيلة قاتله وهم الأنصار . وابتاع زيدا صفوان بن أمية رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه أسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه ، فحبسوهما إلى أن تنقضي الأشهر الحرم ، واستعار خبيب رضي اللّه تعالى عنه وهو محبوس موسى من بنت الحارث . وفي الصحيح من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها : أي يحلق بها عانته ، فدرج لها ابن صغير وهي غافلة عنه حتى أتى إلى خبيب رضي اللّه تعالى عنه ،